محمد سعيد رمضان البوطي

228

فقه السيرة ( البوطي )

تحرج لا يتضح سببه ، اللهم إلا أن يكون ضررا صحيا للحامل . إذا علمت هذا ، علمت الحكم الشرعي الذي يتعلق بتحديد النسل وهو اتباع وسيلة علاجية لمنع الحمل بدلا من العزل فهو جائز إذا اتبعت له الوسائل التي أجازها جمهور الأئمة ، بشرط أن لا يظن فيه أي ضرر للزوجة وبشرط أن يكون ذلك برغبة متفقة من الزوجين ، ولست أعلم ما يخالف هذا الحكم عند أحد من أئمتنا الفقهاء رحمهم اللّه ، إلا ما روى من ذلك الحافظ ولي الدين العراقي ، عن الشيخ عماد الدين بن يوسف والشيخ عز الدين بن عبد السلام ، فقد روى عنهما القول بحرمة استعمال المرأة دواء ما ، من شأنه أن يمنع الحمل قال ابن يونس : ولو رضي به الزوج « 1 » . أقول وهذا الرأي محجوج بمقتضى دلالة السنة ، وبما ذهب إليه بناء على ذلك الجمهور . غير أن من أهم ما ينبغي أن تعلمه في هذا الصدد ، أن الحكم بإباحة العزل أو عموم ما يسمى اليوم : تحديد النسل ، منوط برضى كل من الزوجين أنفسهما دون أن يكون عليهما سلطان أو أي توجيه من الخارج ، إذ إن ما يجوز ممارسته للفرد صاحب العلاقة ، قد لا يجوز تشريعه بشكل إلزامي للجماعة ، وهذه القاعدة من القواعد الفقهية المتفق عليها . فالطلاق مما يجوز للفرد المتزوج ممارسته عند الحاجة أو المصلحة التي يراها ، ولكن ليس للحاكم أن يأمر الناس أمرا إلزاميا أو أدبيا أو توجيها بأن يمارسوا هذا الحق ، فيطلقوا زوجاتهم . وتحديد النسل ، شأنه في ذلك شأن الطلاق تماما ، وهذه القاعدة الهامة لا بد من أن تعيها وتفهمها جيدا ، كي لا يلبّس عليك أحد ممن يحترفون اليوم صناعة الفتوى قائلين : لقد أباحت السنة تحديد النسل ، وهذا دليل على أن للدولة أن تحمل الناس - بما تراه من السبل - على ذلك . والحقيقة أنه لا علاقة إطلاقا بين ذلك الدليل وهذا المدلول إلا علاقة التلبيس والتمويه . فالخلاصة : أن أمر العزل أو تحديد النسل ، إذا نظر إليه من حيث علاقة الزوجين ببعضهما وما تشيع بينهما من حقوق ويجمعهما من مصالح ، أمر سهل لا مشكلة فيه كما قد رأيت . ولكنه إذا نظر إليه ، على أساس أن يكون مبدأ يدعى إليه عامة ويعزى الناس به

--> ( 1 ) انظر طرح التثريب وشرحه للحافظ العراقي : 8 / 62 .